فخر الدين الرازي

51

النبوات وما يتعلق بها

المشبه والناس جميعا لم يروا الشياطين ، ورؤية البعض لهم قد لا يكون الشيطان في الحالة هذه على صورته القبيحة المنفرة ؟ انه لما وقر في عقول الناس أن الشيطان قبيح ، صار ما وقر في عقولهم من التخيلات بمنزلة الحقيقة المحسوسة ، فشبه اللّه بالمتخيل ، الّذي هو بمنزلة الحقيقة . وشبيه به قول امرئ القيس : أيقتلني والمشرفى مضاجعى * ومسنونة زرق كأنياب أغوال ؟ وعلى هذا النحو نجد العرب يشبهون بالسحر ، كل شيء عجيب الشأن في نظرهم - وليس بلازم أن يكون المشبه به وهو السحر معروفا على الحقيقة - أي كلام عجيب كما أن السحر عجيب لخروجه عن الأشياء المألوفة . وعلى هذا النحو قالوا عن القرآن الكريم : « إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » [ المدثر 24 - 25 ] أي أن السحر في نظرهم من ابتداع البشر ، وأن الكلام العجيب الّذي ينطق به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - مثل الكلام العجيب الّذي تركه القدماء . والقرآن الكريم نزل من عند اللّه تعالى ، وإشاعة اليهود عن السحر في العالم قد أضرت بالناس ، حتى أن قياصرة الروم ضاقوا ذرعا بهذا الضرر ، وطلبوا قتل المشتغلين بكتب السحر . ويقال : ان القيصر قسطنطين أمر بقتل المشتغلين بالسحر ، وسمح للنصارى بأن يحلوا محل السحرة في تعليم الناس ، لأنهم وقتئذ لا يحفلون بكتبه « 1 » . القرآن الكريم ينفى تأثير السحر : ولأن اللّه تعالى ما فرط في الكتاب من شيء . تحدث في القرآن الكريم عن الإشاعة التي ابتدعها الفسقة من علماء اليهود في بابل ، ولقب العلماء المبتدعين بلقب الشياطين ، وبين أن السحر لا حقيقة له ولا فائدة منه ، ولا يصح لانسان أن يعتقد أن له تأثيرا في النفع أو في الضرر . قال اللّه تعالى في سورة البقرة : « وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ ، وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ . أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ، نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، بَلْ

--> ( 1 ) انظر كتاب تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار بن أحمد .